
بقلم: عماد عجوة**
عرفت البشرية فكرة السجن من قديم، وبالنسبة للسجون في مصر فإن بعض الباحثين ينفون معرفة المصري القديم بالسجن كعقوبة كما هو الحال في أيامنا هذه، فيما نجد البعض الآخر يؤكد وجود هذه العقوبة، ولكن من المشاهَد أن المصري القديم قد عرف السجون وذلك عبْر وثائق عديدة وكذلك ما ورد في القرآن الكريم، وببعض التأملات القرآنية فيما ذكر عن مصر نجد أن السجن ذُكر في القرآن 10 مرات كلها مرتبطة بمصر، بشأن سيدنا يوسف عليه السلام عندما تعرَّض للفتنة الشهيرة وحكم عليه بالسجن ظلمًا، وكذلك سيدنا موسى.
أما بالنسبة لمصر عبر كثير من فتراتها الإسلامية فقد سارت أمور السجن وما يرتبط بها من تعذيب على غير ما قرَّره الشرع أو ما عُرف من عهد النبوة والخلفاء الراشدين.
فالحبس الشرعي عند الخلفاء الراشدين ليس هو السجن في مكان ضيِّق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواءٌ كان في بيت أو مسجد أو كان يتولَّى نفس الخصم أو وكيله عليه وملازمته له، ولهذا أسماه النبي صلى الله عليه وسلم "أسيرًا"، وهكذا كان الحبس في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- وإبان خلافة أبي بكر الصديق، إذ لم يكن له محبس معَدّ لحبس الخصوم.
يؤكد المؤرِّخون أن فكرة العمل بالسجن كعقوبةٍ كانت أيام عمر بن الخطاب؛ حيث اشترى دارًا بمكة لصفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم وجعلها سجنًا بعد أن اشتدَّت الرعية وتتابع الناس في المعاصي، وكان ذلك مثار خلاف شديد بين الصحابة حول مدى شرعية ما أقدم عليه الخليفة عمر بن الخطاب، هل يتخذ الإمام حبسًا على قولين فمن قال لا يتخذ حبسًا احتجَّ بأنه لم يكن لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا لخليفته من بعده حبس ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة أو يقيم عليه حافظًا، وهو الذي يُسمى الترسيم، أو يأمر غريمه بملازمته، ومن قال له أن يتخذ حبسًا احتج بفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومضت السنة في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم أنه لا يُحبَس على الديون ولكن يتلازم الخصمان.
لكن في عهد علي بن طالب- رضي الله عنه- كان الأمر أشدَّ من هذا وأعمق؛ حيث جعل السجن عقوبةً يحكم بها القضاة وولاة الأمر في الدولة الإسلامية بأطرافها، وكان ذلك في الكوفة، فبنى مكانًا للسجن وجعل عليه حرسًا من الشُّرَط، أما تدشين أول السجون بالمعنى الذي نعرفه اليوم في العهود الإسلامية فقد كان في عهد معاوية بن أبي سفيان، الذي اتخذ السجون بالأمصار وجعل عليها الحراس.
ويقول آخر: كانت السجون- حسبما استقرت عليه الممارسة في الصدر الأول للإسلام- مجرد إجراءات وليس أماكن، ويمكن أن نعرفها باسم "الترسيم" أي تعويق المحبوس بمكان من الأمكنة أو إقامة حافظ عليه أو أمر غريمه بملازمته.
أشهر السجون التاريخية في مصر
عرفت مصر عبر عصورها سجونًا شتى بعضها كان مشهورًا ومعروفًا يشار إليه بالبنان وبوسعنا تحديد أماكنه إلى اليوم، والبعض الآخر كان مجرد حجرات ملحقة بقصور بعض أصحاب السلطان، فكان للقضاة أماكن يهيمنون عليها ويعاقبون أرباب الجرائم المدنية بأنواع الحدود المختلفة فيها، وكانت هناك سجون أخرى يشرف عليها "الولاة" ويزجُّون فيها بمَن يخالف أوامرهم الإدارية دون أدنى تدخُّل من قضاة الشرع، وغالبًا ما كان هؤلاء الولاة يتخذون من قصورهم أو من مبانٍ عامةٍ مجاوِرةٍ لهم كالمدارس سجونًا، ومن أشهر سجون مصر تاريخيًّا:
1- حبس المعونة بالفسطاط
ويُقال أيضًا: دار المعونة.. كانت أولاً تُعرف بالشرطة وكانت إلى الجنوب من جامع عمرو بن العاص بالفسطاط وأصله خَطَّهُ قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري رضي الله عنهم، اختطها في أول الإسلام وكان موضعها فضاء، وأوصى فقال: إن كنت بنيت بمصر دارًا واستعنت فيها بمعونة المسلمين فهي للمسلمين ينزلها ولاتهم، ثم صارت سجنًا يعرف بالمعونة إلى أن ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فحوَّله إلى مدرسة.
2- حبس الصيار
يَذكر المقريزي هذا الحبس بأنه كان بالفسطاط، يُحبس فيه الولاة بعد تحويل حبس المعونة إلى مدرسة، وكان بأوَّل الزُّقاق الذي فيه هذا الحبس حانوت يسكنه شخص يقال له منصور الطويل، ويبيع فيه أصناف السوقة، ويُعرف هذا الرجل بـ"الصيار" من أجل أنه كانت له في هذا الزقاق قاعة يخزَّن فيها أنواع الصير المعروف بالملوحة، فقيل لهذا الحبس حبس الصيار، وظل هذا السجن موجودًا إلى أن خربت الفسطاط وبقي موضعه كيمانًا.
3- خزانة البنود
ذكر المقريزي موقع هذه الخزانة التي تحوَّلت إلى سجن أنها كانت بزُقاق يُعرف بخط خزانة البنود على يُمنة من سلك من رحبة باب العيد يريد درب ملوخيا وغيره، وكانت أولاً في الدولة الفاطمية خزانة من جملة خزائن القصر يُعمل فيها السلاح يقال إن الخليفة الظاهر بن الحاكم أمر بها، ثم إنها احترقت في سنة 461هـ فعُملت بعد حريقها سجنًا يُسجن فيه الأمراء والأعيان إلى أن انقرضت الدولة فأقرَّها ملوك بني أيوب سجنًا ثم عُملت منزلاً للأمراء من الفرنج يسنكون فيها بأهاليهم وأولادهم في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون بعد حضوره من الكرك، فلم يزالوا بها إلى أن هدمها الأمير الحاج آل ملك الجوكندار نائب السلطنة بديار مصر في سنة 744هـ فاختط الناس موضعها دورًا.
4- حبس المعونة بالقاهرة
ومن سجون القاهرة الشهيرة أيضًا حبس المعونة؛ تأسيًا بنظيره في الفسطاط وموضعه الآن قرب جامع الغوري، وكان يسجن فيه أرباب الجرائم من السرَّاق وقطاع الطريق ونحوهم في أيام الفاطميين، وكان حبسًا ضيقًا حرجًا شنيعًا يشم من قربه رائحة كريهة فلما تولى الناصر محمد بن قلاوون ملك مصر هدمه وأنشأ مكانه قيسارية العنبر.
5- خزانة شمايل
خزانة شمايل يمثل موقعه حاليًا الجزء الجنوبي من جامع المؤيد شيخ، وقد نسب هذا السجن إلى الأمير علم الدين شمايل أحد فلاحي بعض قرى مدينة حماة، وقد أصبح واليًا على القاهرة في أيام الكامل بن العادل أبي بكر بن أيوب، وهذا السجن يذكره المقريزي من أشنع السجون وأقبحها منظرًا يحبس فيها من وجب عليه القتل أو القطع من السرَّاق وقطاع الطريق، ومن يريد السلطان إهلاكه من المماليك وأصحاب الجرائم العظيمة.
وحدث أن سُجن فيه الأمير المملوكي المؤيد شيخ لبعض الوقت فقاسى خلال مدة حبسه أهوالاً من الحشرات الزاحفة بأصنافها فنذر لله تعالى إن نجاه الله من حبسه وصار سلطانًا لمصر أن يهدم السجن ويحوّله إلى مسجد، وبرَّ الأمير بنذره وأوفاه بعدما فرَّ إلى الشام وعاد ليجلس على عرش مصر، فهدم خزانة شمايل في سنة 810هـ وأشرف على عملية الهدم بنفسه وأدخل أرضَها في مسجده المعروف بجامع المؤيد شيخ إلى اليوم بجوار باب زويلة.
6- سجن المقشرة
يذكر المقريزي في كتابه السلوك الجزء الرابع في حوادث

















