أفضل مئة مدونة

مصرنا الحبيبة

مصري مسلم محب لبلده مصر وقوميته العربية ووطنه الإسلام

الخميس,أيار 15, 2008


مسلحون بإقليم دارفور

<!--block3-->

كتبه / علي صلاح
 
يا ترى هل هي مصادفة أن تتفجر الأوضاع في السودان في نفس الوقت الذي تعيش فيه لبنان على فوهة بركان إثر اشتباكات مسلحة بين أنصار المعارضة المدعومة من طهران وأنصار الأغلبية الحاكمة؟ هل هناك رابط ما بين إغراق غزة في الظلام مرة أخرى وإيقاف المساعدات الأممية عن أهلها واشتداد الحصار عليها وما يحدث في بيروت والخرطوم؟ ما هي الصلة بين معاودة الحوثي لأنشطته العسكرية وخرقه لاتفاق الدوحة وما يحدث هنا وهناك؟ ماذا يراد بهذه المنطقة التي لم تعد تنطفئ فيها الحرائق حتى تعود وتشتعل؟ هل هي سايكس بيكو جديدة؟ ماجت الأفكار والأسئلة في رأسي فور سماع أخبار هجمات متمردي دارفور على العاصمة السودانية الخرطوم لأول مرة رغم مرور سنوات طويلة على اندلاع الصراع في الإقليم.
كان العالم العربي يتابع إرهاصات حرب أهلية في لبنان بعد سيطرة حزب الله على بيروت وتجري مساعي لإنهاء الأزمة كما كانت هناك مساعي أخرى لإنهاء حصار غزة أو على الأقل تخفيفه، وفجأة انطلقت أزمة السودان، وهنا قفزت في ذهني رغمًا عني اتفاقية "سايكس بيكو" المشئومة التي تم توقيعها بعد الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا وفرنسا وروسيا والتي فتت أوصال العالم الإسلامي بعد هزيمة الدولة العثمانية، حيث منحت الاتفاقية بريطانيا منطقة جنوب وأواسط العراق بما فيها مدينة بغداد، وكذلك ميناء عكا وحيفا في فلسطين، كما استولت روسيا على الولايات الأرمنية في تركيا وشمال كردستان، واعترفت الاتفاقية كذلك بحق روسيا في الدفاع عن مصالح الأرثوذكس في الأماكن المقدسة في فلسطين، ويشمل النفوذ الفرنسي شرق سوريا وولاية الموصل، بينما النفوذ البريطاني يمتد إلى شرق الأردن والجزء الشمالي من ولاية بغداد وحتى الحدود الإيرانية. هل المنطقة الآن مقدمة على إعادة تقسيم جديد لخدمة أطماع إمبراطوريات تنمو وإمبراطوريات تخشى الزوال؟
 
الخيوط الخفية
من يقف وراء الخيوط الخفية التي تحرك العرائس في المنطقة؟
هذا السؤال يرد عليه كتاب صدر مؤخرًا في الولايات المتحدة عن الاتصالات التي تجري في الخفاء بين إيران من جهة والولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة أخرى، وكشف الكاتب "تريتا بارسي" أستاذ العلاقات الدولية في جامعة "جون هوبكينز" عن الآليات وطرق الاتصال والتواصل بين الأطراف الثلاثة، التي قال عنها: إنها "ملتهبة على السطح ودافئة خلف الستار" في سبيل تحقيق المصلحة المشتركة. وأضاف: إن إيران و"إسرائيل" ليستا في صراع أيديولوجي كما يتخيل الكثيرون، بقدر ما هو نزاع إستراتيجي قابل للحل، مؤكدًا على كلامه بعدم لجوء الطرفين إلى استخدام أو تطبيق ما يعلنه خلال تصريحاته. وأشار الكتاب إلى الاجتماعات السرية العديدة التي عقدت بين إيران و"إسرائيل" في عواصم أوروبية، اقترح فيها الإيرانيون تحقيق المصالح المشتركة للطرفين من خلال صفقة كبيرة.
وأفاد الكاتب بأن إيران أرسلت إلى واشنطن عبر وثيقة سريّة، مجموعة من التنازلات السياسية التي ستقوم بها إيران في حال تمّت الموافقة على "الصفقة الكبرى" والتي تتناول عددًا من المواضيع منها: برنامجها النووي، سياستها تجاه "إسرائيل"، ومحاربة تنظيم القاعدة. كما شملت الوثيقة إنشاء ثلاث مجموعات عمل مشتركة أمريكية - إيرانية بالتوازي للتفاوض على "خارطة طريق" بخصوص ثلاثة مواضيع: "أسلحة الدمار الشامل"، "الإرهاب والأمن الإقليمي"، "التعاون الاقتصادي". وتضمّنت الوثيقة والتي حملها الوسيط السويسري إلى الإدارة الأمريكية أوائل مايو عام 2003، قيام إيران باستخدام نفوذها في العراق لتهدئة الأوضاع للاحتلال.
لقد تكلمنا في مقالات سابقة عن الأيادي الإيرانية في لبنان واليمن والعراق وأطماعها لتكوين إمبراطورية تعيد أمجاد فارس، أما فلسطين فمنذ ستين عامًا وهي ترزخ تحت الاحتلال الصهيو ـ أمريكي وبدعم غربي واضح حتى الحديث عن دولة فلسطينية من قبل الغرب فهو حديث عن شكل هلامي لاسيادة له ولا حدود واضحة.
 
 لماذا السودان؟
السودان هو أكبر دولة إفريقية من حيث المساحة، ويتمتع بموقع إستراتيجي على البحر الأحمر، ويقع إلى الجنوب من مصر، ويشترك في الحدود مع سبع دول إفريقية أخرى، وتبلغ مساحته مساحة أوروبا الغربية تقريبًا، ومع هذا فإن عدد سكانه لا يتجاوز الـ 35 مليون نسمة، كما أن الموارد الطبيعية المكتشفة حديثًا هناك جعلته محط اهتمام الاحتكارات الأمريكية و"الإسرائيلية" والغربية بصفة عامة، ويعتقد أن السودان يمتلك احتياطيًا بتروليًا ينافس احتياطي المملكة العربية السعودية، وفيه مخزون ضخم للغاز الطبيعي، وفيه ثالث أعلى مخزون لليورانيوم عالي النقاوة في العالم، وفيه أعلى رابع مخزون للنحاس في العالم.
 
الأصابع الصهيونية
كما أشرنا سابقًا هناك إمبراطورية تنمو وإمبراطورية تخشى الزوال والاثنتان يتنافسان على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب وقد يختلفان ولكن هدفهما واحد في النهاية هو إخضاع المنطقة لقانونهما، والقانون هو إشعال فتيل التمرد والأزمات في دول المنطقة لتقسيمها أو على الأقل إضعافها ليسهل السيطرة عليها وتمرير مخططاتهما، ومن هنا كان الدعم الصهيوني والغربي للمتمردين في السودان منذ تمرد جون جرنج في الجنوب في الستينيات من القرن الماضي إلى تمرد دارفور قبل عدة سنوات.
لقد دعمت "إسرائيل" حركة تحرير السودان بقيادة جون جرنج لإنهاك السودان اقتصاديًا وسياسيًا، ولعبت على وتر التفرقة بين العرب والأفارقة. يقول أحد قادة التمرد الجنوبي سفيريانو فولي: "إنه تم تعيينه سكرتيرًا إداريًا في الحركة عام 1963، وأنه قدم إلى السفارة الإسرائيلية في كمبالا، وأصبح حلقة الوصل الأساسية بين الحركة و"إسرائيل"، وتم التنسيق مع إسرائيل فيما يتعلق بالتدريب والتسليح، وقد أرسلت إسرائيل أعضاء من قواتها المسلحة للإشراف على استلام السلاح وقامت بإرسال ضباط الحركة للخارج للتدريب"، وبعد توقيع اتفاقية بين الخرطوم ومتمردي الجنوب تحولت المساعدات إلى متمردي الغرب "دارفور" حيث لعب نظام أسياس أفورقي في إريتريا دور الوسيط بين حركات التمرد في دارفور و"إسرائيل" ثم جاء دور النظام التشادي في الوساطة، وأعلن قائد حركة تحرير السودان المتمردة في دارفور عبد الواحد نور، أن حركته افتتحت مكتبًا لها في "إسرائيل". وقال: إن سودانيين لجأوا إلى "إسرائيل" هم الذين افتتحوا مكتب الحركة هناك، واعتبر نور أن الرؤية السياسية لحركته تجيز افتتاح سفارة "إسرائيلية" في الخرطوم إذا كان في ذلك خدمة لمصالح السودان، على حد زعمه.
وكانت "إسرائيل" منحت مؤخرًا حق اللجوء لستمائة سوداني من دارفور، من جهته أعلن معهد أبحاث قضايا الدفاع والأمن بالعاصمة البلجيكية بروكسل في دراسة له عن تهريب السلاح لإفريقيا، أن دارفور أصبحت مستوردًا لتجارة السلاح "الإسرائيلية" وأن "إسرائيل" تغرق دارفور بالسلاح، مشيرًا إلى أن المخابرات الأردنية كشفت مؤخرًا عن شبكة لتهريب أسلحة "إسرائيلية" لدارفور متورط بها نجل داني ياتوم، مدير الموساد السابق ومستشار الحكومة "الإسرائيلية"، وقد اعترف نجل داني ياتوم بتورطه و"شيمون ناور" وهو صاحب شركة استيراد وتصدير "إسرائيلية" في تهريب أسلحة لإقليم دارفور، وأنهم ساعدوا بعض الأفراد من حركات التمرد في الإقليم السوداني بتلقي التدريبات العسكرية في "إسرائيل" بصفة رسمية، كما أشارت صحيفة "واشنطن بوست" إلى وجود تحالف صهيوني داخل الولايات المتحدة يعرف بـ "تحالف إنقاذ دارفور" ويضم 160 منظمة للترويج للإبادة في دارفور وذلك في إطار الحملة الصهيونية لإشعال الأزمة ونشر الفوضى، لافتة إلى الدور الكبير الذي لعبه هذا اللوبي في إقناع الرئيس الأمريكي جورج بوش بفرض عقوبات على السودان وجعل دارفور على رأس قائمة اهتمامات السياسة الأمريكية.
أما عن تشاد التي اتهمتها حكومة الخرطوم صراحة بدعم الهجوم على العاصمة وقطعت علاقتها الدبلوماسية بها فكشفت صحيفة "ها آرتس" الإسرائيلية عام 2005 أن تشاد وافقت على إقامة علاقات مع "إسرائيل"، "كما ذكرت الصحيفة أيضًا في 16 فبراير 2008 أن صفقات أسلحة عقدتها تل أبيب مع بلد مجاور للسودان يعتبر ساحة لحركات التمرد في دارفور، وذلك في إشارة ضمنية إلى تشاد. من ناحيتها أكدت الحكومة السودانية هذه الحقائق على لسان مصطفى عثمان إسماعيل مستشار الرئيس السوداني الذي اتهم "إسرائيل" بالتدخل في قضية دارفور، مشيرًا إلى امتلاكه وثائق تؤكد مسئولية "إسرائيل" عن إشعال التمرد في دارفور، وأوضح أن "إسرائيل" دربت العديد من القيادات المتمردة، ومنهم الشريف حرير نائب رئيس حزب التحالف الفيدرالي السوداني، مؤكدًا أن الشريف حرير زار "إسرائيل" وله ارتباطات معها."
 
 الوضع في الخرطوم والدور العربي
يبدو الوضع في الخرطوم حاليًا تحت سيطرة الحكومة المركزية وقد ساد الهدوء معظم مناطقها، وإن كان قد سُمع دوي إطلاق نيران من جانب واحد في بعض المناطق وهو أمر طبيعي حيث صرح مصدر أمني سوداني بأن هناك خلايا نائمة للمتمردين بالعاصمة جاري تعقبها، إلا أن الإفراج عن الترابي ومساعديه والإعلان عن طلب زعيم المتمردين المدعو خليل إبراهيم طائرة للهروب بعد مقتل عدد من مساعديه يدل على أن الجيش قد استطاع السيطرة على الوضع لحد ما، إلا أن تمكن المتمردين من قطع 600 كلم للوصول للعاصمة مع 130 عربة مسلحة يدل على وصول دعم كبير لهم من الأطراف التي أشرنا إليها سابقًا وبالتالي ليس من المستبعد تكرار الأمر في المستقبل بصورة أو بأخرى للضغط على الحكومة للرضوخ لجميع مطالب المتمردين في إطار الأمر الواقع كما حدث في الجنوب، وعندئذ تتحول السودان إلى ثلاث دويلات في الجنوب والغرب والوسط، وهو الأمر الذي سيؤثر حتمًا على أمن المنطقة وعلى أمن الدول العربية والإسلامية التي تمثل السودان عمقها الإستراتيجي في إفريقيا.
لم يعد بإمكان العرب الاكتفاء بالمشاهدة لما يحدث في السودان فالوضع جد خطير وقيام دولة تدين بفضل قيامها للكيان الصهيوني عند منابع نهر النيل يمثل تهديدًا ليس لمصر وحدها ولكن لبقية الدول العربية المجاورة. لقد لخص رئيس هيئة الأركان "الإسرائيلي" السابق الجنرال حاييم لاسكوف سياسة بلاده تجاه قارة إفريقيا قائلاً: "إن نجاح إسرائيل في تطوير علاقاتها مع الدول الإفريقية في غرب القارة - خاصة تلك الدول التي تقع جنـوب الصحراء والمناطق المتاخمة للدول العربية- سيحقق لها مـكاسب إستراتيجية كبيرة، ويساعد على تلافي نقاط الضعف الإستراتيجي المتمثلة في إحاطتها بطوق عربي محكم، والوصول إلى الظهر العربي المكشوف في ميدان لا يتوقعه العرب". كانت هناك خطط كبيرة من قبل لاحتضان السودان وجعلها مزرعة العالم العربي للاستفادة من خيراتها ودومًا كان هناك من يقف لإعاقة هذه الخطط ولم تلق السودان من محيطها العربي سوى الإهمال على مر عقود حتى شعر الشعب السوداني أنه معزول للونه المختلف وفقره وحاجته وهي غصة في أعماق الكثير من أهل السودان على العرب أن يسارعوا في إزالتها قبل أن تزول دولة كبيرة بحجم السودان مؤذنة بزوال دول أخرى.